صديق الحسيني القنوجي البخاري
86
فتح البيان في مقاصد القرآن
واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيها بما هو أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه اللّه على عباده لأن كل ذلك من لوازم الإيمان . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 19 إلى 21 ] أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) والاستفهام في قوله : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ للإنكار وهو استئناف خوطب به المشركون التفاتا عن الغيبة في قوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا [ التوبة : 17 ] . والسقاية والعمارة مصدران كالسعاية والحماية لا يتصور تشبيههما بالأعيان والجثث فلا بد من إضمار تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ، ويؤيد الأول قراءة ، من قرأ سقاة الحاج وعمرة المسجد جمع ساق وعامر وفيها تشبيه ذات بذات كما في الوجه الأول ، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير المحذوف . كَمَنْ أي كإيمان أو كعمل من آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حتى يتفق الموضوع والمحمول لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ المعنى أن اللّه أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير وإن لم ينتفعوا بها ، وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل اللّه . وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة ويفضلونهما على عمل المسلمين فأنكر اللّه عليهم ذلك ، فصرح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين وتفاوتهم وعدم استوائهم أي لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمجد الحرام ، وهذه الطائفة المؤمنة باللّه واليوم الآخر المجاهدة في سبيله . ودل سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة التي يدعيها المشركون أي إذا لم تبلغ أعمال الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين ، فكيف تكون فاضلة عليها كما يزعمون ، وهذا الكلام استئناف مؤكد لما علم من إبطال المساواة بالتوبيخ المستفاد من الاستفهام أي لا يستوي الفريقان . ثم حكم عليهم بالظلم فقال : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي إنهم مع ظلمهم بما هم فيه من الشرك لا يستحقون الهداية من اللّه سبحانه ، وهو تعليل في المعنى لنفي المساواة ، وفي هذا إشارة إلى الفريق المفضول ثم صرح بالفريق الفاضل فقال : الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً